الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
191
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مشاهدات عينية تقتلع من أعماق قلبه جذور تلك الشكوك والوساوس ، ولهذا نرى إبراهيم ( عليه السلام ) ، على ما كان عليه من مقام ويقين يسأل الله أن يرى المعاد رأي العين لكي يتبدل إيمانه العلمي إلى " عين اليقين " وإلى " شهود " . ولكن أسلوب طلب الحواريين تميز بشئ من الفضاضة لذلك ظن عيسى ( عليه السلام ) أنهم بصدد البحث عن الأعذار والحجج ، فاعترضهم وبعد أن شرحوا له حقيقة موقفهم وافق على طلبهم . 2 - ما المقصود بعبارة هل يستطيع ربك ؟ لا شك أن ظاهر هذا الكلام يوحي بأن الحواريين كانوا يشكون في قدرة الله على إنزال مائدة ، إلا أن المفسرين المسلمين لهم آراء أخرى في تفسيرها ، منها أن هذا الطلب وقع في بداية أمرهم وقبل أن يتعرفوا على جميع صفات الله . ورأي آخر يقول : إن سؤالهم يعني : هل يرى الله أن من المصلحة أن ينزل عليهم مائدة من السماء ؟ كأن يقول شخص : لا أستطيع أن أعهد إلى فلان بكل ثروتي ، ولا يعني أنه ليس بقادر على ذلك ، بل يعني أنه لا يرى مصلحة في الأمر . ورأي ثالث يقول : أن " يستطيع " تعني " يستجيب " لأن مادة ( طوع ) تعني الانقياد ، فإذا وردت من باب ( الاستفعال ) فيمكن أن تفيد المعنى نفسه ، فيكون المعنى : هل يستجيب الله لطلبنا بشأن إنزال مائدة من السماء ؟ 3 - ما هي تلك المائدة السماوية ؟ لم يذكر القرآن شيئا عن محتوياتها ، ولكن يستفاد من بعض الأحاديث ، وخاصة الحديث المروي عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، أن تلك المائدة كانت تحوي أرغفة من الخبز ومقدارا من السمك ، ولعل سبب طلب هذه المعجزة كان ما سمعوه عن المائدة السماوية التي نزلت على بني إسرائيل باعجاز من موسى ( عليه السلام ) فطلبوا هم أيضا من عيسى ( عليه السلام ) مثل ذلك . 4 - هل نزلت عليهم مائدة ؟ رغم أن الآيات المذكورة تكاد تصرح بنزول المائدة ، فالله لا يخلف وعده ،